مع تأكيد الرئيس أوباما على زيف الخِـيار الأمريكي بين المصالح الأمنية وبين دعم سيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، خلصت أحدث دراسة لمعهد السلام الأمريكي إلى توصيات تؤكِّـد ضرورة استمرار الجهود الأمريكية لدعم الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، خاصة في الدول التي تعتمِـد الولايات المتحدة عليها في تيْـسير المصالح الأمنية والدبلوماسية والإستراتيجية، مثل مصر والسعودية والأردن.
أشرف على الدراسة وإصدار التقرير عنها دانيال برومبيرغ، مدير مبادرة العالم الإسلامي بمعهد السلام، والرئيسان الشرفيان للدراسة البروفيسور لاري دايموند، مدير مركز التنمية والديمقراطية وحُـكم القانون بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا، والبروفيسور فرانسيس فوكوياما، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب نهاية التاريخ، وشارك فيها أكثر من ثلاثين باحثا عربيا وأمريكيا.
وتوصي الدراسة بأن التصدّي للتّـهديدات الأمنية، سواء التي يشكِّـلها إرهابيون ينتمون إلى تنظيم القاعدة أو الناشئة عن التوتّـرات بسبب صراعات إقليمية، كالصراع العربي الإسرائيلي، لابد أن يتصدّر أولويات إدارة الرئيس أوباما وأنه لتحقيق المصالح الأمنية والإستراتيجية وصُـنع السلام، يتعيّـن تعزيز الالتزام الأمريكي بدعم عملية التحوّل الديمقراطي التّـدريجي والحُـكم الرشيد.
التقت swissinfo.ch بالدكتور دانيال برومبيرغ، المُـشرف على الدراسة وسألته عن السبب الذي من أجله ربطت الدراسة بين المصالح الأمنية وبين دعم التحوّل الديمقراطي في الشرق الأوسط فقال: "المشكلة في الشرق الأوسط وفي العالم العربي بشكل خاص، هي أن الأنظمة العربية التي تتعاون بشكل وثيق مع الولايات المتحدة، هي أنظمة تنظر إليها شعوبها بشكل مُـتزايد على أنها إما أنظمة غير شرعية أو أنظمة قمْـعية مُـنفصلة عن الشعوب، التي تدّعي تلك الأنظمة أنها تُـمثلها. فإذا أرادت الولايات المتحدة صِـيانة مصالِـحها الأمنية والإستراتيجية في المنطقة، فيتعين عليها المساعدة في التحوّل التّـدريجي، لكي تُـصبح الأنظمة الحليفة لها في العالم العربي أكثر تمثِـيلا وشرعية وكفاءة في الحُـكم الرشيد في إطار ديمقراطي، ليُـمكنها مواصلة علاقاتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة بشكل يحظى بالتأييد الشعبي". لا لبقاء الحال على ما هو عليه
ويؤكِّـد الدكتور برومبيرغ أن الدراسة حذّرت من مواصلة الولايات المتحدة الاعتِـماد على بقاء الحال على ما هو عليه وعلى الأخَص في الدول العربية الرئيسية التي تتعاون، استراتيجيا وأمنيا ودبلوماسيا مع واشنطن، مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأردن، حيث يربط المواطن بين التعاون الوثيق لتلك الأنظمة مع الولايات المتحدة وبين سياساتها القمْـعية، مما يُـغذِّي المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، خاصة وأن أنظمة مثل النظام المصري درج على خلق نوْع من الخيار الزائف بين استمرار النظام في الحُـكم لقُـرابة ثلاثين عاما وبين استِـيلاء الإسلاميين، مثل جماعة الإخوان المسلمين على الحُـكم وقال: "تعمد هذه الأنظمة على طرح ذلك الخيار على الولايات المتحدة لتأمين مُـساندتها لها بدلا من التعامل مع البديل، وهو كما تصور تلك الأنظمة "الإسلاميون"، بينما يجب أن تُـدرك الإدارة الأمريكية أن ذلك الخيار هو من صُـنع الأنظمة التي تُـضيِّـق الخناق بممارساتها القمْـعية على جماعات المعارضة الأخرى وتحُـول دون وجود بدائل عِـلمانية وليبرالية".
وتدعو دراسة معهد السلام الأمريكي إلى تلافي السماح للأنظمة العربية بما أسمته "الإصلاحات الليبرالية التكتيكية"، التي تُـديرها بنفسها للظهور بمظهر مَـن يقوم فِـعلا بالإصلاح، بينما هي تستخدِمها لتجنّـب الانخِـراط في إصلاحات سياسية فِـعلية ولتجنُّـب الضغط الخارجي، وأوصت الدِّراسة إدارة الرئيس أوباما بالدّخول في حِـوار جادٍّ وصريحٍ مع أنظِـمة الحُـكم الأوتوقراطية في العالم العربي، من أجل بدء "عملية تحَـوُّل إستراتيجي نحو الليبرالية السياسية" ووقف العمل بكل القوانين الاستثنائية وقوانين الطوارئ والشروط المُـقيدة لنشاط وتكوين الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، وكل ما يعوق حرية التعبير والتجمّـع.
كذلك أوصت دراسة معهد السلام الأمريكي بأن يسير العمل من أجل دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان يدا بِـيَـد مع جهود أمريكية نشِـطة لتسوية الصِّـراع العربي الإسرائيلي، الذي طالما استغلّـته أنظمة الحُـكم العربية لتسويف الإصلاح السياسي والتحوّل نحو الديمقراطية.
إجراءات التكيّـف السّـلطوية
ويرى البروفيسور لاري دايموند، مدير مركز الديمقراطية وحُـكم القانون في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، أن العديد من الزعماء العرب تمرّسوا في الفساد وبرعوا في فُـنون إبقاء الحال على ما هو عليه، بحيث أن الحِـوار الأمريكي معهم لن يجدي، وضرب مثلا على ذلك بنظام الرئيس المصري حسني مبارك فقال: "لقد نجح نظام الحكم في مصر في إتِّـباع ما يُـمكن أن نسمِّـيه "إجراءات التكيّـف السلطوية" والتي يتِـم اتِّـخاذها للتلاؤُم مع ما يحدُث من تغيّـرات داخلية وخارجية. فبعد الضغوط الأمريكية في غِـمار ما سُـمي بأجندة الحرية التي رفع لواءها الرئيس بوش منذ عام 2004، اضطر النظام المصري إلى إدخال ما أسماه بالإصلاحات السياسية، وكان أبرزها السماح لأول مرّة بإجراء انتخابات رئاسية بعدّة مرشحين، بدلا من الاستفتاء العام على مرشح واحد، كما تمّ السماح بقدر من التنافس في الانتخابات البرلمانية، ولكن عندما أسفرت الانتخابات - رغم ما شابها من تلاعُـب - عن فوز الإخوان المسلمين بـ 20% من مقاعد مجلس الشعب وجاء أيمن نور في المركز الثاني في انتخابات الرئاسة، بدأت إجراءات التكيّـف السياسي السُّـلطوية بتمرير تعديلات دستورية، استهدفت إحكام قبْـضة الحزب الحاكم على السلطة السياسية في مصر، خاصة المادة 76 من الدستور المصري، مع ترهيب المُـنافسين في كِـلْـتا الانتخابات من خلال حملة اعتقالات واسعة النطاق، شملت عددا كبيرا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وكذلك مرشّـح الرئاسة الدكتور أيمن نور، وبذلك أظهر الحزب الحاكم أن "فكره الجديد" ينحصِـر في إدارة ما يسمّـى بعملية الإصلاح السياسي بشكل يتفادى فيه الظهور أمام الولايات المتحدة بأنه عازف عن تلبية دعوة الإصلاح والتحوّل الديمقراطي من خلال ممارسات شكلية تُـوحي بالتعدّدية السياسية، في ظل وجود أكثر من عشرين حزبا ورقيا لا حَـوْل لهم ولا قُـوة، وفي نفس الوقت، يتخذ من القرارات والتشريعات ما يحُـول دون تداوُل السلطة".
ويخلص خبير الديمقراطية الأمريكي إلى أن النظام الحاكم في مصر تفوّق إلى درجة مُـذهلة في انتهاج "إجراءات التكيّـف السلطوية"، التي يتِـم اتخاذها للمناورة مع الضغوط الخارجية والمَـطالب الداخلية، فعقب السماح بقدر محدود من الحريات السياسية والسماح للمعارضة السياسية الضعيفة بممارسة بعض النشاط لفترة وجيزة، يعود بعدها النظام لقمْـع الحريات وتضييق النِّـطاق المسموح به لنشاط المعارضة، مع إنفاق نسبة عالية من الدّخل القومي على الأجهزة الأمنية ومباحِـث أمن الدولة لتأمين بقاء الوضع على ما هو عليه.
لذلك، يقول البروفيسور دايموند، إن الدراسة أوصت بأن يخرج الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون للمساندة العلَـنية، عندما تبدأ الأنظمة العربية خطوات حقيقية نحو التحوّل الديمقراطي، وبنفس القدر من العلَـنية، يجب انتقاد تلك الأنظمة عندما تقوم بممارساتها القمعية. كما دعا خبير الديمقراطية الأمريكي إلى استخدام وسائل ضغط أمريكية لدفع الأنظمة العربية نحو التحوّل الديمقراطي.
توصيات تختلف مع كل دولة
ويبدو أن الدِّراسة حاوَلت كذلك إجْـهاض الحُـجج التي طرحتها أنظمة الحُـكم العربية، وكان من أهمِّـها أنّ ظروف كل دولة عربية تختلِـف عن الدول العربية الأخرى. فقدّمت الدراسة مجموعة من التّـوصيات تختصّ كل منها بدولة عربية بعيْـنها ضِـمن الدول الخمس التي شملتها الدِّراسة.
أولا: بالنسبة لمصر، أوصت الدراسة بدخول الولايات المتحدة في حِـوار صريح مع الجيل الناشئ من قادة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بشأن أهمية التحوّل الديمقراطي الحقيقي، وليس التكتيكي في تعزيز شرعية الحكومة، بعد التآكل الذي لحِـق بها من جرّاء فشلها في مُـواكبة ظهور قِـوى اجتماعية وسياسية جديدة، ومحاولتها إدارة عملية التحوّل الديمقراطي انفتاحا مرّة وانغلاقا مرّات، مما زاد من فُـرص تعرّض النظام لهزّات سياسية وأمنية.
ثانيا: بالنسبة للأردن، أوصت الدراسة إدارة الرئيس أوباما بأن تحُـثّ الحكومة الأردنية من خلال الأقوال والأعمال على التحرّك بالأردن نحو التحوّل الديمقراطي الحقيقي، حيث يرى كثير من الأردنيين أن الولايات المتحدة لا تدْعم الانفتاح السياسي في البلاد، خاصة وأن مساندة النظام الأردني للحرْب على الإرهاب، ساعدت في تعطيل الموافقة على مائة مشروع قانون لتعزيز الحريات العامة في الأردن.
ثالثا: بالنسبة للبنان، أوصت الدراسة برُؤية أمريكية جديدة لمعالجة التّـعقيدات السياسية في لبنان، بحيث تتجنّـب إدارة الرئيس أوباما اتِّـخاذ مواقِـف قد تشير إلى محاولة عزْل طرف ومساندة طرف آخر، وأن تتجنّـب الإدارة محاولة استخدام علاقاتها لإحداث تغيير في القواعد المنظّـمة لتقاسم السلطة في لبنان، لكي لا تسهم واشنطن في احتِـدام الصِّـراع والتنافس الطائفي.
رابعا: بالنسبة للمغرب، أوصت الدراسة إدارة الرئيس أوباما بتقييمٍ أكثر توازُنا للتّـجربة المغربية، بدلا من الثّـناء على التقويض الذي يُـمارسه النظام المغربي لعملية التحوّل الديمقراطي، وأن تبدأ الإدارة الأمريكية استِـخدام مزيج من الدبلوماسية الخاصة والعامة في إبراز التحديات التي يُـواجهها المغرب ونِـقاط الضّـعف في النظام السياسي المغربي.
خامسا: بالنسبة لليمن، أوصت الدراسة إدارة الرئيس أوباما بأن تُـدرك أن الإصلاح الديمقراطي في اليمن هدَف طويل المدى بالنظر للتّـدهور الأمني والاقتصادي، ولذلك، يجب أن تشمل الإستراتيجية الأمريكية العمل على حلّ المشاكل السياسية والاقتصادية وأن تقنِـع إدارة أوباما النظام اليمني بوجود علاقة مُـباشرة بين الإصلاح الاقتصادي والسياسي الحقيقي وبين تحسّـن الأمن الداخلي في اليمن.
دعم الديمقراطية على استحياء
أما البروفيسور فرانسيس فوكوياما، فيرى أن الرئيس أوباما، وإن أولى دعم الديمقراطية قدْرا كبيرا من الأهمية، فإنه يُـمارسها على استحياء، لأنه لا يريد أن يرتبِـط الدعم الأمريكي للديمقراطية في الشرق الأوسط في فترة رئاسته بمفاهيم ترسّـخت في غِـمار أجندة بوش للحرية، مثل تغيير النظام أو الاحتلال العسكري وقال:
"لقد لوّثت تجربة غزْو العراق عملية دعْـم التحوّل الديمقراطي، التي كلّـما تمّ الحديث عنها في العالم العربي، طفت على السطح كلمة الغزْو والاحتلال، ولذلك، فإن إدارة أوباما بحاجة إلى بداية جديدة تطرح من خلالها أفكار التحوّل نحو الديمقراطية وأهميّـتها بالنسبة لشرعية الحُـكم ولرؤية أوباما لعلاقات جديدة مع العالم الإسلامي وفكّ الارتباط بين دعم الديمقراطية واستخدام القوّة للغزو أو تغيير النظم، على أن تحتلّ الجهود الأمريكية لدعم التحوّل الديمقراطي مكانة بارِزة في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط".
وصلات
·دراسة معهد السلام عن ارتباط المصالح الأمنية الأميركية بدعم التحول الديمقراطي (بالإنجليزية)
وصلة هذا المقال